الثعلبي

188

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لمّا رأت سرّي تغيّر وانحنى * من دون [ نهمة ] سرّها حين انثنى « 1 » ثم استثنى فقال إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً قيل عدة جميلة ، وقال مجاهد : هو التعرض من غير أن يصرّح ويبوح ، و ( أن ) في محل نصب بدلا من السرّ ، وقال عبد الرحمن بن زيد : هذا كلّه منسوخ بقوله وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي لا تصححوا عقدة النكاح ، وقال ابن الزجاج : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، كما يقال : يضرب يد الطهر واليمن « 2 » وقال عنترة : ولقد أبيت على الطوى وأظلّه * حتى أنال به كريم المطعم « 3 » أي وأظل عليه . حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ حتى تنقضي العدّة وإنما سماها كتابا لأنها فرض من الله تعالى كقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ * . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ فخافوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعجل بالعقوبة ، تقول العرب : ضع الهودج على أحلم الجمال . لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ الآية ، نزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة ، ولم يسمّ لها مهرا ، ثم طلّقها قبل أن يمسّها فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فلمّا نزلت قال له رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « متّعها ولو بقلنسوتك » [ 156 ] « 4 » ، فذلك قوله لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهنّ . قرأ حمزة والكسائي وخلف : تماسّوهنّ بالألف على المفاعلة لأنّ بدن كل واحد منهما يمسّ بدن صاحبه فيتماسّان جميعا ، دليله قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا * وقرأ الباقون : تَمَسُّوهُنَّ بغير ألف لأن الغشيان إنما هو من فعل الرجل ، دليله قوله وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ . أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أي توجدوا لهنّ صداقا ، يقال فرض السلطان لفلان أي أثبت له صدقة في الديوان ، فإن قيل : ما الوجه في نفي الجناح عن المطلق وهل على الرجل جناح لو طلّق بعد المسيس فيوضع عنه قبل المسيس ؟ قيل : روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقولون : طلّقتك ، راجعتك ؟ » [ 157 ] « 5 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تطلّقوا نساءكم إلّا عن ريبة ؛ فإنّ الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات » [ 158 ] « 6 » .

--> ( 1 ) لسان العرب : 4 / 358 ، ونسبه للأفوه الأودي وفيه : لما رأت سري تغير وانثنى * من دون نهمة ثبرها حين انثنى ( 2 ) تفسير القرطبي : 3 / 192 . ( 3 ) لسان العرب : 11 / 419 ، وفيه : كريم المأكل . ( 4 ) زاد المسير : 1 / 246 . ( 5 ) سنن ابن ماجة : 1 / 650 ح 2017 . ( 6 ) مجمع الزوائد : 4 / 335 .